ملا نعيما العرفي الطالقاني
190
منهج الرشاد في معرفة المعاد
في الشفاء ، وبه تمّ دليله على أنّ الأنفس الإنسانيّة لا تفسد ، واندفع عنه الأنظار الموردة عليه ، كما أشرنا إليه واللّه أعلم بالصواب . في توجيه كلامه في الإشارات وأمّا توجيه كلامه في الإشارات ، فلأنّه ذكر أوّلا في بيان الدليل على أن الأنفس الإنسانيّة لا تفسد بفساد البدن ، قوله : « ولمّا كانت النفس الناطقة التي هي موضوع ما للصور العقليّة ، غير منطبعة في الجسم ، بل إنّما هي ذات آلة بالجسم - إلى آخره - » . « 1 » وأشار بلفظة « لمّا » إلى ما أثبته في النمط الثالث وغيره ، فأشار بقوله : « هي موضوع ما للصور العقليّة » إلى أنّها مجرّدة في ذاتها وكمالاتها الذاتيّة عن المادّة ، لأنّ موضوع الصور العقليّة التي هي مجرّدة عن المادّة لا يكون إلا مجرّدا عنها أيضا كما هو المستبين عندهم ، وسيأتي بيانه ، فحيث أشار إلى تجرّدها في ذاتها وكمالاتها الذاتيّة عن المادّة ، أشار إلى أنّها غير مركّبة من المادّة والصورة كالجسم ، وغير قائمة بالمادّة والجسم كالصور والأعراض ، كما أنّه أشار بقوله : « غير منطبعة في الجسم » إلى الأخير ، وأشار أيضا بقوله : « بل إنّما هي ذات آلة بالجسم » إلى كيفيّة ارتباطها بالجسم على وجه لا يلزم منه احتياجها في وجودها وكمالاتها العقليّة الذاتيّة إليه ، بل إنّ احتياجها إليه إنّما هو في أفعالها وإدراكاتها الجزئيّة ، وأمّا في أفعالها وإدراكاتها الكلّية فلا ، بل هي عاقلة بذاتها لمعقولاتها من غير توسّط آلة في ذلك . فأشار بما ذكره إلى بساطتها الذاتيّة الحقيقيّة وإلى أصالتها المطلقة في الوجود والقيام والتعقّل كما عرفت وجه ذلك . ثمّ إنّه بعد بيان أنّ النفس لا تفسد بفساد البدن ، قال : « إذا كانت النفس الناطقة قد استفادت ملكة الاتّصال بالعقل الفعّال لم يضرّها فقدان الآلات ، لأنّها تعقل بذاتها كما علمت ، لا بآلتها ، ولو عقلت بآلتها لكان لا يعرض للآلة كلال إلّا ويعرض للقوّة كلال » . « 2 » إلى آخر ما ذكره من الأدلّة على ذلك ، فبيّن أنّها تعقل بذاتها من غير آلة . ثمّ قال : « لو كانت القوى العقليّة منطبعة في جسم من قلب أو دماغ ، لكانت دائمة التعقّل
--> ( 1 ) - شرح الإشارات 3 : 264 . ( 2 ) - شرح الإشارات 3 : 276 .